الجمعة, 20 أغسطس 2010 19:55

امتحان الثقافات

لا نعني هنا بالثقافة المعلومات والمعارف التي تكون في حوزة شخص من الأشخاص أو أمة من الأمم, وإنما نعني ذلك الكل المركَّب من العقائد والأفكار والمعارف والنظم والأخلاق والعادات والتقاليد السائدة في بيئة محددة. الثقافة بهذا المعنى تعني الذات المعنوية للأمة, وهي أداة استيعاب الوجود والنظر إلى الذات والآخر, وأداة مواجهة المشكلات والهيكل المعنوي الذي يتلقى الصدمات القادمة من الداخل والخارج... الثقافة بوصفها أداة للفهم والعمل وتنظيم ردود الأفعال و بوصفها أداة لمقاومة العدوان الثقافي الخارجي – تظل في امتحان دائم, وعليها دائماً أن تنجح فيه, وإلا أصيبت بالعطب, أو فقدت جزءاً من حيويتها, والأمثلة التي يمكن أن نشرح من…
الجمعة, 20 أغسطس 2010 19:50

الشارع الرئيس

كتب بواسطة Administrator

للحضارات هويات ومعالم تشبه هويات ومعالم المدن؛ فأنت حين تريد دلالة شخص على منزل في مدينة كبرى لا عهد له بها، ولم يدخلها من قبل، فإنك تعمد إلى دلالته على معلم كبير أو شارع رئيس موجود في تلك المدينة، وتتدرج به في الدلالة حتى يدرك موقع المنزل الذي يبحث عنه.

ماذا لو كنت غير عارف بأي معلم من معالم تلك المدينة، وغير عارف بالشوارع والطرق الكبرى التي تخترقها، وتصل بين أحيائها؟ إنك ستجد الكثير من العنت في مهمتك، وقد لا تصل في النهاية إلى أي شيء...

هكذا الأمم وهي تبحث عن هوياتها وعن السمات الأساسية لبنياتها الحضارية. على مدار التاريخ كان هناك طريقان للتعرف على الذات والمهمات والأهداف الكبرى: طريق الوحي، وطريق البحث والدرس والتفكر، و حين وقع الصدام في أوروبا بين الكنيسة من جهة وبين العلماء والباحثين من كل التخصصات من جهة أخرى صار الفلاسفة وصنّاع الرأي يحاولون اكتشاف هوية الحضارة عن طريق البحث واستخدام الخبرة التاريخية وعن طريق فهم طبائع الأشياء والقوانين والسنن التي تحكمها، وصار دور الدين هامشياً إلى حد بعيد، لكن المشكلة التي واجهتهم هي أن العقل في بنيته العميقة غير مؤهل لاكتشاف الشارع الرئيس وتحديد الأطر العامة، وبناء المرجعيات المتعالية على الاجتهاد والاختلاف، ولهذا فإن قادة الفكر والرأي لديهم يشبهون فعلاً سائق (التاكسي) الذي يعرف تفاصيل الأزقة والحارات في المنطقة التي يعمل فيها، لكنه لا يعرف الطريق الذي يوصل إلى مطار المدينة، ولا الشوارع التي تعبر المدينة غرباً وشرقاً و شمالاً وجنوباً.

إن ذلك السائق يستطيع كسب رزقه من خلال العمل داخل المنطقة التي يعرف تفاصيلها، لكنَّ الفلاسفة والمنظِّرين لا يستطيعون تأمين الحاجات الروحية والعقلية للناس عن طريق شرح مواصفات الغذاء الصحي وشرح مواصفات السلوك الإنساني الذي يراعي شروط المحافظة على البيئة وتعليم مهارة صنع طائرة حديثة... ومن هنا فإني أشعر وأنا أقرأ لكثيرٍ من الكتّاب الغربيين أنهم يتحركون حركة واسعة جداً لكن ضمن كهف مظلم، وأحياناً أشعر أنهم يشبهون في محاولاتهم العثورَ على طريق مفتوح العصفورَ الذي وجد نفسه في قفص كبير، وذلك  لأن الإنسان يملك أشواقاً عارمة لمعرفة المصير الذي ينتظره بعد الموت، والعقل البشري غير مؤهَّل للوصول إلى معرفة ذلك المصير من غير إرشاد خارجي.

هذا كله لا يعنينا كثيراً لولا أننا بتنا نلمس بقوة طروحات كثيرة تمضي حول الرؤية الغربية في التنظير للحق والواجب والسعادة والشقاء...، وهذا أدّى إلى إرباك وعي كثير من الناس تجاه تحديد المطالب الأساسية للنهضة والتقدم، ولا أريد الاستفاضة في هذا الموضوع، لكن أودّ أن أوضح بعضاً من أهم ملامح هويتنا الحضارية، على أمل الحفاظ على القواسم المشتركة التي تصوننا من تمزق النظر إلى الذات وإلى المستقبل، وأنا أزعم أن من أهم تلك الملامح الأمور الثلاثة الآتية:

1- قطعيات  هي من قبيل المعلوم من الدين بالضرورة، أي يستوي في معرفة كلياتها الخاصة والعامة، وذلك مثل الإيمان بالله – تعالى- وكتبه ورسله واليوم الآخر، ومثل أركان الإسلام الخمسة، ومثل كبائر المعاصي كقتل النفس والزنا وشرب الخمر والسرقة وأكل الربا... إن هذه القطعيات تشكل بالنسبة إلى المسلم أطراً واضحة للتصور والتفكير والبحث وإصدار الأحكام... وإن عدم الاعتراف بها أو بشيء منها، يزيد كثيراً في أضراره على أضرار جهالة سائق سيارة أجرة بالشوارع الرئيسية في المدينة التي يعمل فيها.

2- أولوية البناء العقلي والروحي والخلقي على البناء العمراني، أي إن تثقيف العقول وتزكية النفوس وترسيخ المبادئ والأخلاق الفاضلة أهم من بناء الجسور وإقامة الحدائق وشق الطرق السريعة... وهذا يعود إلى أن التقدم الحقيقي في الرؤية الحضارية لدينا هو تقدم روحي خلقي بامتياز، وهو التقدم الذي كان  يشكِّل الهاجس الأكبر لجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ـ  والآيات القرآنية والأحاديث النبوية تؤكد على هذا الملمح بطريقة لا تقبل الجدل؛ إذ إن أكثر من 99% من الآيات القرآنية يتحدث عن التقدم العقلي والروحي والسلوكي لبني الإنسان.

3- كل المكتسبات الحضارية وكل الإنجازات العمرانية، وكل المكتشفات على كل الأصعدة لا تشكل في رؤيتنا الحضارية أكثر من وسائل، مطلوب منا استخدامها للوصول إلى الهدف الأسمى في هذه الحياة الفانية، وهو القيام بأمر الله ـ تعالى ـ على أفضل وجه ممكن، والفوز برضوانه، وهذا الملمح في غاية الأهمية؛ لأنه يعصمنا من الغرق في التفاصيل والضياع في متاهات الحقوق والمصالح المتضاربة ومتاهات ضوابط استخدام القوة وتوظيف الإمكانات المتاحة..

ليس المهمُّ عند أخذ ما أشرت إليه بعين الاعتبار سهولةَ الطريق الذي نسلكه، كما أنه ليس من المهم السرعة التي نمضي بها، إنما المهم هو النقطة التي يوصلنا إليها ذلك الطريق، لأن ضياع الهدف الأكبر يعني أن يصبح كثير من أشكال العناء الإنساني وكثير من إنجازات البشر أشياء من غير أي معنى، وهذا يعادل فقْد الوجود ذاته.

الاثنين, 02 أغسطس 2010 08:50

صانع المرآة

كتب بواسطة Administrator

ينقضي العمر، وربما تنتهي دورة حضارية كاملة، والناس يسألون أنفسهم: من نحن، وماذا نريد ولماذا يحدث لنا كذا وكذا، وهل هذا أنفع لنا أو هذا؟ أسئلة كثيرة تبدأ، ولا تنتهي حول مسائل جوهرية في حياتنا، وتقل هذه الأسئلة، وتتضاءل في حالات الركود الحضاري، وتتدفق كالسيل الجارف، في بدايات الانطلاقات الحضارية الكبرى،  وكلما حدث تواصل عالمي واحتكاك أممي أكبر...

الإنسان متشوق جداً إلى فهم نفسه وفهم مكانته ودوره في بيئته وعصره، لكنه كلما حاول ذلك وجد أن عتاده لبلوغ ما يريد غير مكتمل، بل يجد نفسه مفتقراً إلى مقارنة مالديه بما لدى غيره، وإلا لم يحصل على شيء ذي قيمة. ولعلي أتحدث هنا عن هذه القضية عبر الحروف الصغيرة التالية:

1.      الطبيعة البشرية كينونة غامضة، واكتشافها يتم بالتدريج ومن خلال الظروف والمعطيات الجديدة، فنحن لانعرف كل شيء عما يُدخل علينا البهجة، ولا كل شيء عما يزعجنا كما أننا لانعرف ماينبغي أن نعرفه عن الأمور التي تحرَضنا على الصلاح والإنتاجية العالية، ولا ماينبغي أن نعرفه عما يدفع بنا نحو الانحراف والانحطاط والخمول، ومن أجل  تلمس هذا يشتغل ألوف الباحثين، وعلى الرغم من كثرة ما أنتجوه من بحوث وأفكار في هذا الشأن إلا أن مازال ما هو مجهول أكثر مما هو معروف، ومازال لدينا الكثير من الأسئلة التي تبحث عن أجوبة. إن الناس حين يوضعون في ظروف جديدة مثل الثراء الفاحش، أو الفقر الشديد أوالخطر العظيم يكتشفون من خلال ردود أفعالهم القيمَ التي يؤمنون بها ونوعية علاقتهم بالحياة والأحياء، ومن خلال كل ذلك يعيدون تعريف أنفسهم، وينشأ عن كل ذلك رؤية جديدة للمستقبل، وتفسير جديد للماضي ...

يقول جابر بن عبد الله- رضي الله عنه- مشيراً إلى التغيرات التي حدثت بعد وفاة النبي- صلى الله عليه وسلم-: "ما منا إلا نال من الدنيا، ونالت منه إلا عمر وابنه". نعم إن الظروف الجديدة تحمل معها دائماً معها اختبارات جديدة، ونتائج الاختبارات دائماً متفاوتة.

2.      أنا أشبِّه محاولاتنا لفهم أنفسنا ومحيطنا، وما الذي يجب علينا فعله بشخص يسير لأول مرة في صحراء مترامية الأطراف وخالية من العلامات حيث لايرى سوى سماء ملبَّدة بالغيوم وأرض مستوية وغير معبدة، إنه في هذه الحالة في أمس الحاجة إلى من يحدد له وجهته، ويدله على طريق يبلغه مأمنه حتى يخرج من التيه الذي وجد نفسه فيه، ولايُشترط أن يكون من يرشده على صواب، بل قد لايكون لدى ذلك الساري  أي وسيلة للحكم على مدى صحة ما يشير عليه به ... هكذا نحن دائماً في حاجة إلى مرآة نرى فيها صورتنا، وإن صانع تلك المرآة هو الذي يحدد شروط انعكاس صورتنا عليها، وحين كنا نقود مركب الحضارة كنا نحن صنَاع المرآة، وكنا نحدد للناس شروط العيش الكريم، كما كنا ندل العالمين على طرق الخلاص، وعلى سبيل المثال، فقد كان من المألوف في إيطاليا في القرن الثالث عشر الميلادي أنه لايتم تعيين أمين لمكتبة عامة، مالم يكن يجيد العربية، لأن كثيراً من محتويات المكتبات كان باللغة العربية. إذن قيادة الأمم لاتتم من خلال شن الحروب عليها، ولا من خلال استغلال ضعفها، وإنما تكون من خلال الأهلية الحضارية لتعريفها على ذواتها، وتعريفُها على ذواتها لايكون إلا من خلال تقديم الكثير من المثل والأفكار وإنتاج الكثير من الأشياء التي تعتقد تلك الأمم أن من الصعب عليها أن تعيش من غيرها، وهذا ما تفعله الدول الصناعية اليوم.

3.      تشهد النخب الثقافية لدينا اليوم صراعاً واضحاً حول تحديد هويَة الأمة، ويقوم جدل واسع حول جوهر العلاقة التي ينبغي أن تقوم بين مالدينا من عقائد وقيم وموروث ثقافي من جهة وبين النهضة ومتطلباتها وتكاليفها من جهة أخرى، ونحن لا نتوقع لهذا الجدل أن يجد أي نهاية، مادمنا لم نُكمل اكتشاف أنفسنا ومعرفة ما نريده على وجه دقيق، لكن أود أن أقول: إن الدفاع عن الهوية من خلال شرح فضائلها وبيان أهميتها وفوائدها لن يجدي كثيراً في مقاومة طوفان الأفكار والسلوكيات الغازية، حيث أثبتت التجارب التاريخية للأمم أن الدفاع المباشر عن الثقافة والهوية والموروثات الروحية والخلقية، وحث الناس على التمسك بها يظل ضعيف التأثير، وذلك لأن كل جديد يغرينا بتجريبه، وحين نجربه، فقد نجد فيه مالم نجده في القديم، ومن هنا فإن خير وسيلة للحفاظ  على الهوية هو أن نشارك في بناء الحضارة، وأن نساهم في صناعة المرآة عوضاً عن إدمان شرائها، فالروحي والمعنوي متداخل تداخلاً شديداً مع المحسوس والمادي، وحين نتمكن من إنتاج المادي على وجه حسن وفق شروط صالحة، فإن المتوقع أن يتحسن مستوى الروحي، والعكس صحيح.

 

د. عبدالكريم بكار

20\ 8\ 1431

 

 

الثلاثاء, 27 يوليو 2010 19:29

امتحان الثقافات

كتب بواسطة Administrator

لا نعني هنا بالثقافة المعلومات والمعارف التي تكون في حوزة شخص من الأشخاص أو أمة من الأمم, وإنما نعني ذلك الكل المركَّب من العقائد والأفكار والمعارف والنظم والأخلاق والعادات والتقاليد السائدة في بيئة محددة. الثقافة بهذا المعنى تعني الذات المعنوية للأمة, وهي أداة استيعاب الوجود والنظر إلى الذات والآخر, وأداة مواجهة المشكلات والهيكل المعنوي الذي يتلقى الصدمات القادمة من الداخل والخارج...

الثقافة بوصفها أداة للفهم والعمل وتنظيم ردود الأفعال و بوصفها أداة لمقاومة العدوان الثقافي الخارجي – تظل في امتحان دائم, وعليها دائماً أن تنجح فيه, وإلا أصيبت بالعطب, أو فقدت جزءاً من حيويتها, والأمثلة التي يمكن أن نشرح من خلالها هذه الحقيقة كثيرة للغاية, أكتفى منها هنا بثلاثة أمثلة:

1-  إدارة الاختلاف:

لدى كل الثقافات محرمات وخطوط حمراء لا يصح تجاوزها, ولديها أيضاً مساحات خضراء تسمح بالتنوع والاختلاف والحركة... إذن لا تظهر الثقافة في مدى ما فيها من اختلاف واتفاق وإنما في طريقة تعاملها مع الاختلاف, وهذه نقطة مفصلية في تباين الثقافات, فالثقافة الناضجة تتعامل مع الاختلافات بعقلانية ولغة مهذبة, وتعتمد الوعي والحوار والتربية أساساً للتخلص من الأقوال الشاذة والأفكار الفجة, أما الثقافة التي لم تبلغ درجة النضج المطلوب, فإنها تعتمد في حسم الخلاف على استخدام القوة وسنَّ المزيد من القوانين, كما أن لغة  المختلفين تكون متشنجة وبعيدة عن الموضوعية. وأعتقد أن الذي يتأمل فما كتب من تعليقات على الفتاوى المتأخرة في الصحف وعلى (النت) لا يشك بأن ما نتحدث به خلال عقدين من الزمان عن أسباب الاختلاف وعن التعددية – ما يزال عبارة عن قشرة ثقافية هشة, لا تسمن ولاتغني من جوع!

2-  التعامل مع المشكلات:

ليس هناك مجتمع ليس فيه مشكلات, والثقافة هي التي تحدد حجم المشكلات السائدة, وعلى نحو عام تكون حساسية أصحاب الثقافات المتحضرة تجاه المشكلات أشد, حتى إن ما يعد شيئاً هيناً وطبيعياً في نظر أصحاب الثقافات المتخلفة، يُعد في نظر الفريق الأول شيئا خطيراً، ولا يمكن احتماله. حين يواجه أصحاب ثقافة ناضجة مشكلة كضعف الإلتزام او التضمامن الأهلي أو الاستبداد أو مشكلة مثل البطالة أو ندرة المياه.. فإن إدراكهم لحجم المشكلة يتم عن طريق التخمين والتأمل، وأما أدواتهم في المواجهة فإنها تقوم على الشكوى والحسرة والاحتيال والوعظ والخروج عن القانون.. أما أصحاب الثقافات المتقدمة فإن مساعيهم لتوصيف المشكلة تقوم على الإحصاء والاستقراء والمقارنة، وحين يريدون علاجها، فإنهم يعملون على تحديد أسباب المشكلة وتحليلها، كما يعملون على مراقبة تطوراتها، ثم يتعاملون معها عن طريق طرح الكثير من المبادرات الصغيرة لعلمهم أن المشكلات الحضارية ترتدي برداء التعقيد، وتحتاج إلى حلول مركََبة. وحين تكون الأمة في وضعية انتقالية، فإنها تحاول أن تقلد أصحاب الثقافة الناضجة، وتحقق في العادة نجاحات متواضعة.

 

3- استثمار الوقت:

هذه الساعات التي تمر علينا هي عبارة عن امتحان كبير لنا، ومن الواضح أن أصحاب الثقافة المتخلفة ينظرون إلى الوقت على أنه عبء، وليس فرصة، ولهذا فإنهم يتفننون في قتله والتخلص منه، ويظهر هذا واضحاً في حال شغلهم وحال فراغهم، أما في حال شغلهم، فإن كفاءة استفادتهم من الوقت تكون متدنية،حيث قد أفادت إحدى الدراسات أن العطاء الحقيقي للموظف في إحدى الدول العربية لا يزيد على نصف ساعة في اليوم! أما في حالة فراغهم، فإنهم ينزعون إلى الثرثرة الفارغة والجلوس أمام التلفاز..!

 

أما ابناء الثقافة المتقدمة، فإنهم ينظرون إلى الوقت على أنه عنصر من أهم عناصر الإنتاج والإنجاز، ولهذا فإنهم يتعاملون معه بدقة تصل إلى جزء من الثانية، ويتلقون الدورات التدريبية التي تساعدهم على تقليل الأوقات المهدورة. أما الفراغ فإنهم يستخدمونه في الاستجمام وممارسة الهوايات  والقيام بالأعمال المهمة التي لم يستطيعوا إنجازها في أوقات الدوام الرسمي.

ستظل كيفية تعامل الأمم مع الوقت مقياساً من أهم مقاييس الارتقاء الحضاري. فما تصنيفك لثقافتنا السائدة يا ترى؟

والله الموفق..

 

د. عبد الكريم بكار

20/7/1431

الثلاثاء, 27 يوليو 2010 18:54

الرغبة في القراءة

كتب بواسطة Administrator

 

تحدثت في المقال السابق عن شيء مهم، وهو أن الرغبة تُصنع صناعة على أيدي المربين والمعلمين، وبتأثير من المحيط والبيئة السائدة، ووعدت أن أتحدث عن نموذج للرغبة المصنوعة، وهو الرغبة في القراءة، وأنا الآن أفي بما وعدت به.

يقولون: أنت لا تستطيع معرفة اهتمامات الناس حين يكونون مشغولين، لكن أعطهم وقتاً حراً، أو اجعلهم في موقف ينتظرون فيه حدوث شيء، ثم تأمل في الأمور التي ينشغلون بها، وهذا صحيح، وقد رأيت أن الانتظار مدة أربع أو خمس ساعات في المطارات الدولية بين رحلة ورحلة يكشف فعلاً عن اهتمامات الناس، وقد رأيت ذلك  مرات عديدة، كما رآه غيري؛ فالأوربيون ـ والغربيون عموماً تكون معهم ـ غالباً ـ  كتبهم وحاسباتهم الشخصية، وبها يملؤون وقت الانتظار بين رحلة وأخرى، أما أبناء ما يُسمّى بالدول النامية فإنك ترى معظمهم حائرين في ملء الفراغ الذي أتيح إليهم؛ فمنهم من ينام على كرسيه، ومنهم من يذهب إلى مكان تناول القهوة والشاي، ومنهم من يقلِّب نظره في الجالسين والعابرين.. ولا شك أن الفارق بين هؤلاء وأولئك لم يأت من الموروث الجيني، وإنما من التربية والتنشئة والبيئة.

لو تساءلنا عن أساليب تحبيب القراءة إلى الصغار، فإن الجواب سيُغرقنا بالعشرات من التفاصيل الصغيرة، فلنتحدث إذن عن المبادرات والأساليب الأساسية، وهي أيضاً كثيرة، ولعل أهمها الآتي:

1ـ أسرة مهتمة: الخطوط العميقة في شخصية الطفل تُرسم في السنوات الست الأولى من عمره، ولهذا فإن الأسرة هي التي تتحمل العبء الأكبر في صناعة رغبات الطفل، ومنها الرغبة في القراءة. إن الأسرة هي التي ترجَّح ما أمام الطفل من خيارات، وهي التي توجِد في نفسه الميل إلى القراءة والرسم والتلوين والكتابة، كما أنها هي التي تتيح له أن يتعود الانغماس في اللهو واللعب والخروج مع الرفاق وتتبع الأمور التافهة؛ ولهذا فإن اهتمام الأسرة بتعويد أطفالها على القراءة هو شرط أولي وأساسي، ولطالما كان الاهتمام أباً لمعظم الفضائل.

2- أسرة قارئة: الأسرة القارئة ليست هي الأسرة المتعلمة، لكنها الأسرة التي يمارس أفرادها القراءة كل يوم؛ إذ إن الطفل حيثما التفت وجد أباً ممسكاً بكتاب، أو أخاً يرسم شيئاً، أو أماً تشرح لأخيه شيئاً غامضاً في أحد المقررات الدراسية. إن مشاهدات الطفل لهذه الأنشطة تجعله يوقن بأن العيش مع الكتب والورق والأقلام هو العيش الطبيعي، وقد أجرت الرابطة الأمريكية لمجالس الآباء استطلاعاً حول موضوع القراءة لدى الصغار، وقد تبين من ذلك الاستطلاع أن (82%) من الأطفال الذين لا يحبون القراءة لم يحظوا بتشجيع آبائهم وأمهاتهم. ولا ريب أن التشجيع على القراءة لا يكون بالحث ولكن بإيجاد جو، يقتدي فيه الصغار بالكبار؛ ولهذا يمكن القول: إن أطفالنا لا يمارسون نشاط القراءة؛ لأننا نحن الكبار لا نفعل ذلك!

3- المكتبة المنزلية:

حين تدخل إلى بيوت معظم الغربيين تجد الكتاب في كل ركن من أركان المنزل، ولهذا فإن الطفل يألف وجود الكتب، ويألف رؤية من يقرؤها في كل وقت. كثير من بيوتنا خالٍ من أي مكتبة، وبعضها فيه مكتبات، ولكنها أشبه بالمتاحف؛ إنها لتزيين المنزل، وليست لنفع أهله، لهذا لا تمتد إليها أي يد!

المطلوب أن تكون هناك مكتبة تغذي عقول الصغار والكبار، ويشترك جميع أفراد الأسرة في اختيارها، وهي تحتاج إلى تجديد وتغذية مستمرة.

4- ضبط استخدام وسائل التقنية

قد تبين بما لا يدع مجالاً للشك أن التلفاز والإنترنت والجوّال والألعاب الإلكترونية قد أضعفت القدرة على التركيز لدى الناشئة، وجعلت معظم اهتماماتهم قصيرة الآجال، وهذا مضادّ لكل عمليات التثقف الرصين، ومن هنا فإن على الأسرة ألاّ تسمح بدخول "الكتاب" في منافسة مع الأدوات الإلكترونية؛ لأن هزيمة الكتاب ستكون حينئذ محقَّقة، ولهذا فإن من المهم جداً ألاّ يُسمح للأطفال باستخدام "النت" والجلوس أمام التلفاز... إلاّ مدة ساعة أو ساعتين يومياً، وحينئذ سنجد أن الأطفال يتجهون إلى قراءة القصص والروايات والكتب بوصفها المخرج الوحيد من الملل والسأم، ومع الأيام يشعرون بمتعة القراءة وتتعلق قلوبهم بالكتب.

إن صغارنا سيتملكون الرغبة في القراءة حين ندرك نحن الكبار أن مسؤوليتنا تجاه تثقيفهم وتغذية عقولهم لا تقل عن مسؤوليتنا في تغذية أجسامهم؛ وعلى الله قصد السبيل.

الخميس, 24 يونيو 2010 06:09

ضبط المسافات

كتب بواسطة Administrator

كانت المشكلة التي تواجه الإنسان على مدار التاريخ هي تحديد نوعية العلاقة التي يجب أن تربطه بالخالق ـ تعالى ـ و بالزمان والمكان والناس والأشياء من حوله، وتحديد المسافة التي ينبغي أن تفصل بينه وبين كل ما ذكرناه، وسيكون من المؤسف أن نقول: إن النجاح في هذا الشأن لا يكاد يُذكر إذا ما قارناه بالإخفاق، وهذا يعود إلى أن الناس حين يريدون ضبط المسافات الفاصلة بينهم وبين ما أشرنا إليه لا يرون إلاّ جزءاً من الحقيقة، كما أن عواطفهم تسيطر عليهم، فتشوِّش على رؤاهم، وتشوِّهها، ومن هنا كان الذين يتصفون بدرجة عالية من العدل والإنصاف قليلين للغاية، ولعلي أورد هنا مثالين على مسألة ضبط المسافات حتى يتضح المراد:

1ـ الموقف من الحكومات:

لا يرتاح الناس في العادة لوجود أي سلطة ضاغطة في أي مجال من المجالات، ولهذا فإن معظم الناس يُضمرون درجة من العداء للحكومات، لكن هذا لا يضر ما لم يتجسَّد في قول أو فعل، وإذا تأملنا في حال المثقفين بوصفهم كائنات واعية لما تقول ولما تفعل، فإننا نجد أن كثيرين منهم لم يستطيعوا ضبط المسافة التي يجب أن تفصلهم عن حكومات بلدانهم؛ فهناك من مال إلى (المعارضة) فهمَّهم ودأبهم هو التشهِير بأخطاء الحكومة، وكبار المسؤولين، وإذا أنجز بعض هؤلاء شيئاً جيداً، فإنهم يتجاهلونه تماماً، وإذا ذكروه، فإنهم يذكرونه على أنه من واجباتهم ولا فضل لهم في ذلك! ومن المثقفين من جعل من نفسه بوقاًً ليس له عمل سوى الإشادة والتبرير لما تفعله حكومته، والمشكل الذي يقع فيه هؤلاء يتجلى حين تكون الحكومة التي تماهوا معها تماهياً كاملاً مزاجية أو فيها عناصر فاسدة على نحو صارخ، إن المثقف يظهر في هذه الحالة، وكأنه يوبِّخ نفسه، أو يظهر وكأنه يُقاد عوضاً عن أن يقود!

إن القيام لله ـ تعالى ـ بالحق والقسط يتطلب تشجيع الأعمال الخيرة والثناء عليها مهما كانت علاقتنا سيئة بالقائمين عليها، كما أن من مستحقات الريادة الثقافية أن ينقد المثقف ما يراه من اعوجاج وخلل مهما كانت علاقته جيدة بمن تسبب في ذلك الاعوجاج، لكن القيام بهذا الدور يصبح غير ممكن حين يجعل المثقف لسانه أو سنَّ قلمه هو مورد رزقه، وإن مما يُجهد كلَّ جهود المثقف وكل إشراقاته الذهنية أن يعتقد الناس أن ما يقوله مجيَّر لمصلحة جهة من الجهات.

2ـ الموقف من التراث: التراث هو ما بسطه العلماء والمثقفون من آراء وأقوال واجتهادات قبل ما يزيد على مئة سنة من الآن، ويظل ارتباط الأمم بتراثها شيئاً لا بد منه، مهما كانت المكانة العالمية لذلك التراث، ومعظم المثقفين ينقسمون كذلك إلى قسمين: قسم ينظر إلى تراث الأمة نظرة احترام يصل إلى حد التقديس وحدِّ التعامل معه، وكأنه من إنتاج معصومين أو أشخاص كاملين، وقسم ينظر إلى التراث باستخفاف، وكأن من أنتجه لم يكن لهم أي دراية جيدة بالقضايا والموضوعات التي عالجوها.

لابد في البداية أن أشير إلى أن الكتاب والسنة ليسا من التراث؛ لأنهما ليسا من إنجاز البشر، مع أن كثيراً من مفردات تراثنا ومعطياته كانت تدور في فلك الكتاب والسنة، وكانت بسبب التفاعل مع ثوابت الإسلام وأطره العامة. الذين يقدسون التراث ينسون أن اجتهاداتهم ستكون في نظر الأجيال القادمة عبارة عن إرث ثقافي، فهل يُطلب من تلك الأجيال أن تقدس آراءنا وأحكامنا ونحن نشعر أنها قابلة للنقد والرد؟! بل إننا اليوم نرد على بعضنا، ونعتقد أن كثيراً من رؤانا يفتقر إلى المزيد من النضج والوضوح، والسابقون ردوا على بعضهم، وفندوا كثيراً من الأقوال التي نعدّها اليوم تراثية، بل إن الأمر تصاعد بينهم إلى حد التفسيق والتكفير والاقتتال أحياناً.

فينا كذلك اليوم من يقف موقفاً معادياً للتراث، فهم يعملون بجد على النبش في (مزابل التاريخ) ليستخرجوا منها هفوات العلماء وآراءَهم واجتهاداتهم الفجة والبعيدة جداً من روح الشريعة ومن متطلبات الحضارة، وينسى هؤلاء أن لدى أمة الإسلام منهجاً ربانياً معصوماً، كان على مدار التاريخ محوراً لمقاربات أهل العلم لمختلف القضايا الحضارية، كما أن المسلمين حكموا مساحات واسعة من الأرض، ولهذا فإن لديهم نظماً دستورية، و قضائية، كما أن لديهم تجربة ضخمة في السياسة وقيادة الأمم، وهذا كله يجعل التراث مملوءاً بالأشياء العظيمة والفذة...

إن ضبط المسافات على نحو جيد يعني أننا قادرون على فصل ذواتنا عن الموضوعات التي نعالجها، كما يعني أننا نحاول رؤية الصورة من كل جوانبها وزواياها، وهذه المحاولة-وإن كانت لا تكتمل أبداً- إلاً أنها تظل مطلوبة دائماً؛ ولا يكلِّف الله ـ تعالى ـ نفساً إلاّ وسعها.

الثلاثاء, 08 يونيو 2010 16:30

التعبئة الروحية

كتب بواسطة Administrator

ذكرت في المقال السابق أننا نلاحظ اليوم وجود الكثير من التناقضات في سلوكيات كثير من المسلمين، كما نلاحظ انخفاض مستوى حماسة كثيرين منهم للقيم التي يؤمنون بها، مع أننا نعرف أن الإخلاص لله- تعالى- والإيمان الصادق بمبدأ من المبادئ من الأمور المحفزة للامتثال له والعمل به برغبة وجدية، لكنني أظن أن من المهم أن نأخذ ونحن نفكر في هذه المسألة  بعين الاعتبارعدداً من الأمور، منها:

 

1- إن الإنسان المسلم لا يملك أي خيار تجاه كثير من القيم الإيجابية والسلبية؛ إذ إن عليه أن يؤدي الصلاة والزكاة والحج... وعليه أن يمتنع عن الزنا وشرب الخمر ولعب الميسر... على حين أن غير المسلم أو الملحد يجد نفسه حراً تجاه كل ذلك أو جله.

2- إن كثيراً من المسلمين لم ينالوا من التنشئة الصالحة والعناية الجيدة ما يجعلهم يتعرفون على كثير من القيم الإسلامية، وأحياناً يطلعون عليها بشكل مشوّه أو بطريقة سيئة، كما أن التداول الشعبي لكثير من المبادئ والأحكام والأخلاق يلونه بلون المجتمع، ويصبغه بصباغ من وعيه وفهمه للشريعة، وقد قال ابن الجوزي- رحمه الله-: (وفي زماننا من لو جلدته حتى يفطر في رمضان ما أفطر، ولو جلدته حتى يصلي ما صلّى!).

3- على مدار التاريخ كانت هناك مساحة فاصلة بين ما يعتقده ويقوله كثير من المعلمين والمربين، وبين ما يفعلونه! وهذا يجعل كثيراً من الأطفال يرتبكون في فهم كثير من القيم الإسلامية، ولا يشعرون بأهميتها. لهذه الأسباب وأسباب أخرى كان من غير الممكن للمجتمع المسلم أن يكون أشد حماسة لقيمه ومبادئه، وأشد تمسكاً بها مما هو عليه الآن.

ما العمل؟

لا أعتقد أن هناك سوى طريق واحدة، هي العمل على إيجاد تعبئة روحية شاملة؛ فالتيار الشهواني الجارف الذي يجتاح العالم من أدناه إلى أقصاه، ومشقات العيش، وتحديات الحياة الجديدة.... كل  ذلك لا يمكن مواجهته من خلال طرح المزيد من الأفكار، وإنما من خلال إيجاد تيار روحي قوي يوفر وقوداً روحياً كافياً لتوليد المسرات المرتقبة، وكافياً لتوليد مجابهة قوية للشرور والرغبات غير المشروعة.

إن الذي يتأمّل في خطط التنمية وفي كتابات كثير من المصلحين والتنويرين يجد الكثير من التنظير الجميل، لكن يتضح مع الأيام أن ذلك التنظير ظل أشبه بخريطة ترشدنا إلى السير في طريق طويل، لكن الوسيلة التي سنستخدمها لقطع  تلك الطريق مفقوده! ويؤسفني القول: إن بعض مثقفينا ينظر إلى الحديث عن الأمور الروحية والأخلاقية على أنه حديث (دراويش) وسذّج، مع أن الواقع يشهد بأن الناشطين في مجالات العمل الخيري والتطوعي هم من أولئك الذين يمتلكون روح الاحتساب والتقرّب إلى الله – تعالى-.

ولو تأمّلنا في الحقبة النبوية المباركة لوجدنا أن التعبئة الروحية كانت على أشدها، إلى درجة أن المراهقين كانوا يسابقون الكبار إلى خوض المعارك الحربية وتعريض النفس للقتل طمعاً في الشهادة، وإلى درجة أن بعض المسلمين كانوا يعملون في شدة القيظ من أجل أن يتصدقوا بجزء من الأجرة التي سيحصلون عليها! وكانوا يحاولون متابعة رجل يقوم الليل حتى تتورّم قدماه، وهو في الوقت نفسه معرض عن زخارف الدنيا، إلى درجة أنه قد يمرّ عليه يوم كامل دون أن يدخل جوفه شيء من الطعام! ونحن اليوم مطالبون بالعمل على تنشيط الجانب الروحي من شخصياتنا والعمل على جعل التنمية الروحية جزءاً مهماً من خطط التنمية الاجتماعية، بالإضافة إلى بذل جهد شخصي وشعبي مقدّر في هذا الشأن.

نحن في حاجة إلى دورات تدريبية في تعميق معنى الإيمان وترسيخ معاني الشوق إلى الله – تعالى- والحياء منه والتوكّل عليه والإنابة إليه، كما أننا في حاجة إلى تأسيس أعداد كبيرة من الأطر التطوعية من أجل مساعدة الشباب على الانخراط في العمل التطوعي؛ حيث يكون العطاء ومساعدة الاخرين قمة الإحسان إلى الذات، وحيث يكون فعل الخير مصدراً مهماً لتزكية النفس وتألّق الروح، وإني أقترح ألا ينال أي طالب شهادة الإعدادية إلاّ بعد أن يثبت أنه تطوّع مع بعض الجهات الخيرية مدة لا تقل عن مئتي ساعة عمل، وألاّ ينال أي طالب الشهادة الثانوية إلاّ بعد أن يثبت أنه أدّى لدى بعض الجهات التطوعية مدة لا تقلّ عن ثلاثمائة ساعة عمل، وألاّ ينال أي طالب جامعي شهادة التخرّج من الجامعة إلاّ بعد أن يثبت أنه تطوّع مع بعض جهات الخيرية مدة لا تقل عن خمسمئة ساعة عمل.

والخطاب الإسلامي والدعوي مطالب بعد هذا وذاك بالتركيز على التذكير بالهدف الأسمى الذي نسعى إلى تحقيقه في هذه الحياة، وهو الفوز برضوان الله – تعالى – وقد أعجبني قول أحد المفكرين: إنه يتذكر الموت عند اتخاذ القرارات الكبرى في حياته؛ حتى يظل مشدوداً إلى الآخرة ومرتبطاً بالمنهج الرباني الأقوم!

 

<< البداية < السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالي > النهاية >>
JPAGE_CURRENT_OF_TOTAL