صدر بحمد الله -تعالى- وفضله كتاب جديد تأليف أ.د.عبد الكريم بكار بعنوان : المراهق (كيف نفهمه وكيف نوجهه) وهو يشكل الجزء الرابع من سلسلة التربية الرشيدة.
فإننا في هذه الحياة نظل نواجه نوعين من التحديات : تحديات داخلية وتحديات خارجية ، وقد مضت سنة الله ـ تعالى ـ بأن تكون التحديات الداخلية هي الأشد تأثيراً والأصعب مواجهة ،
ولهذا فإن من الممكن أن نقول : إن الأفراد والأسر والشركات والأمم العظيمة والقوية تكون معاركها الأساسية ليست مع الخصوم والمنافسين والظروف العالمية .. وإنما مع النفوس والأهواء والمكوِّنات الداخلية ، ولهذا يمكن القول :إن التحديات التي تواجه الصغار هي تحديات خارجية في المقام الأول ، أما الكبار فإن التحديات الداخلية هي أخطر ما يواجههم . إن الآخرين مهما اشتدت عداوتهم لا يملكون الأدوات التي تمكِّنهم من اختراق البنى الداخلية المحصَّنة تحصيناً جيداً ، وعلى سبيل المثال : فإن توقف الحضارة الإسلامية عن العطاء لم يكن بسبب ضغوط الخارج ولكن بسبب التحلل الداخلي وخمود جذوة الروح وتفكك النظم، وحين تكون العلاقة بين الزوجين ممتازة فإنهما يستطيعان مواجهة كل الظروف الصعبة يداً بيد ولاسيما تدخلات الأهل ، وحين تكون العلاقة فاترة ، فإنها تسمح للآخرين أن يعبثوا بمستقبل الأسرة كيف شاؤوا ..
أما على الصعيد الفردي فإن كثيرين منا قد أدمنوا المطالبة بالإصلاح والتغيير ، وهم ماهرون جداً بتعداد سلبيات الآخرين ، وأشكال قصورهم لكنهم يرفضون مطالبة أنفسهم بالتغيير ويرفضون الاعتراف بأخطائهم وتحمل مسؤولياتهم نحو أشكال التدهور الذي تعاني منه الأمة ، والنتيجة هي : الجميع يشكون ويطالبون غيرهم بالإصلاح مع أن الفساد الذي يعانون منه لم يأت من الخارج ، وإنما أتى من ذلك التراكم الهائل من الأخطاء والخطايا التي اقترفتها أيديهم ، وهذا يذكِّرنا بذلك الشيخ الذي سُرِق حذاؤه في المسجد فتعاطف طلابه معه ، وأظهروا تأثراً بالغاً لما حدث ، فقال لهم : حين وضعت حذائي في مؤخرة المسجد لم يكن فيه إلا أنا وأنتم فإذا كنتم جميعاً غاضبين ومتألمين لما حدث ، فمن سرق إذن الحذاء ؟!
إن معركتنا الأساسية لم تكن ولن تكون مع قوى الاستكبار العالمي في الشرق أو الغرب ، وإنما ستظل دائماً مع جهلنا وأهوائنا وشهواتنا وطموحاتنا غير المشروعة ومع البغي والظلم الداخلي الذي نمارسه فيما بيننا ، وحين نحقق نصراً واضحاً، فإن النصر سيكون مضموناً بحول الله وطوله على كل القوى المعادية والمتآمرة ، وصدق العزيز الرحيم إذ يقول : (( وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً ))
فهل نحاول اختصار الطريق بالتخلص من محاربة الأوهام والأشباح لنوجه كل طاقاتنا للعمل المثمر البناء ولمقاومة أسباب التحلل والانطفاء الداخلي؟
وإلى أن ألقاكم في رسالة قادمة أستودعكم الله
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محبكم د.عبد الكريم بكار
في 20 / 2 / 1431
فإن الله ـ تعالى ـ لم يُنزل داء إلا أنزل له دواء ، عرفه من عرفه ، وجهله من جهله ، ومن الملاحظ بقوة في مجتمعاتنا الشرقية أن الناس لا يجدون أي مشكلة في الذهاب إلى الأطباء وشرح أحوالهم أمامهم ، فإذا اقتضى الأمر الذهاب إلى طبيب نفسي ، فإن كثيرين يترددون ألف مرة قبل أن يفكروا في ذلك ، وهذا بسبب الرضوخ للنظرة الاجتماعية الخاطئة لهذا الأمر ، فالعامة يظنون أنه لا يذهب إلى الطبيب النفسي إلا من كان مجنوناً . أو كان على حافة الجنون !.
في المجتمعات المتقدمة والمتعلمة ينظرون إلى الطبيب النفسي على أنه حليف للنجاح وصديق للمزاج ، فالناس هناك يذهبون إليه لعلاج عللهم النفسية من غير أي حرج ، فالإنسان يصاب بالمرض النفسي كما يصاب بالمرض الجسمي ، والله ـ تعالى ـ يبتلي عباده بهذا وذاك ، أما الطبقة العليا في المجتمعات الغربية فإنها تذهب إلى الطبيب النفسي حتى يساعدها على الاستقرار النفسي ، وحتى يرشدها إلى زيارة كفاءتها في العمل والإنجاز .
حين يكون في البيت شخص مصاب باكتئاب شديد ـ مثلاً ـ فإنه يحوِّل حياة الأسرة كلها إلى جحيم ، وسوف نجد أنفسنا عاجزين عن إحصاء الأسر التي تفككت بسبب مرض نفسي لدى الزوج أو الزوجة ، كما سنكون عاجزين عن حصر الصداقات والصلات التي انقطعت بسبب الأمراض النفسية ، قد آن الأوان لتغيير نظرتنا إلى هذا الموضوع على نحو جذري ، وقد يتطلب التغيير تكثيف البرامج التلفازية التي يتحدث فيها الناس عن مشكلاتهم بصريح أسمائهم حتى يدرك الخائفون والواهمون أن وجود المرض النفسي هو شيء طبيعي جداً ، وحتى يدركوا أن العلاج قد يكون مطلوباً من أجل الاستمرار في الوظيفة ومن أجل إسعاد الزوج أو الزوجة ومن أجل حماية الأطفال من مشكلات لا حصر لها . تعالوا لنطرح هذا الموضوع بقوة في المجالس والمنتديات ، وتعالوا لنثير حوله الكثير من النقاشات ، لعلنا نتمكن من كسر عرف اجتماعي خاطئ وضار ومزعج .
محبكم :
د.عبد الكريم بكار
في 4 / 2 / 1431