قلق وقلق ...
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة الكرام ، أيتها الأخوات الكريمات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
أسأل الله أن تكونوا أنتم ومن تحبون على أحسن حال ...
فإن في إمكاننا القول : إن لدينا نوعين من القلق : قلق العقل وقلق النفس ، ولا بأس في أن نسلط الضوء على كل منهما :
إن قلق العقل هو ذلك التحفز الذهني الذي يولده الشعور بالمسؤولية ، إن صاحب العقل القِلق يصعب عليه الاندماج في الواقع والاستكانة للظروف ، كما أنه يفكر في كيفية قيامه بواجباته وإبراء ذمته ، إنه يخشى ذنوبه ، ويفكر في أمور أمته ، فيدفعه ذلك إلى القيام بشيء ما ، إن صاحب العقل القلق يرى ما لا يراه الناس ويطمح إلى ما لا يطمحون إليه لذلك فإنه يشعر بنوع من المعاناة ، لا يشعر به الإنسان العادي ، وقد كان السابقون يدركون هذا المعنى ، فعبروا عنه بتعبيرات مختلفة ، فهذا عمر رضي الله عنه ـ يقول: والله لو عثرت شاة في أرض العراق لخشيت أن يسألني الله عنها ، يقول : لمَ لم تعبد لها الطريق وهذا عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ يقول : (( إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه ، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه ، فقال به هكذا ، فذ بّه عنه )) رواه البخاري.
وقد قال رجل للإمام أحمد بن حنبل إنك تقول كلاماً يعيبه عليك السلطان فلو أنك تحدثت في أمور العبادة .... فقال أحمد : إنك من أصحاب العقول المستريحة !
نعم إن هموم الكبار كبيرة ، وإن هموم الصغار صغيرة ، لذلك يمكن أن نقول : من همومهم تعرفونهم ، فهنيئاً لأهل الهموم الكبيرة الذين جعلوا الفوز برضوان الله ـ تعالى ـ وكل ما يُدني منه شغلهم الشاغل !
أما قلق النفس فإنه نوع من التوتر وعدم الاستقرار الناتج من الخوف من شيء غامض موجود ، أو يمكن أن يكون في المستقبل.
القلق في الأساس مهم لأنه جزء مما هو مطلوب لتوازن الشخصية ، لكنه حين يزيد على حد معين ، فيمنع صاحبه من النوم ، أو يُضعف إنتاجيته أو يدفعه إلى العزلة ، فإنه يصبح مشكلة تحتاج إلى علاج .
أحياناً يكون الغموض هو مصدر القلق وحينئذ فإن الوقوف على حقيقة ما يُقلقنا يُزيل القلق مثل الذي يخاف من أن يكون ضغطه مرتفعاً ، فإن الحل هو أن يقيس ضغطه ، ومثل الذي يقلق لظنه أن صديقه منزعج منه ، فعلاجه مصارحة الصديق وسؤاله عن ذلك .
أحياناً يكون القلق بسبب الفراغ الروحي وبسبب وجود فجوة كبيرة بين المعتقد والسلوك ، كما هو شأن المسلم الغارق في المعاصي ، فهذا ليس له دواء سوى العودة إلى الله والاستقامة على شرعه .
وأحياناً يكون القلق مظهراً لاضطراب الإدراك والوقوع في مصيدة الأوهام ، ومن كان هذا شأنه ، فإنه يحتاج إلى مراجعة طبيب نفسي .
إن الحياة فرصة عظيمة للرقي ، وإن فيها الكثير من المباهج , ومن المهم أن لا نستهين بها فنحيا على هامشها ، وأن لا نخطئ في عيشها فنتنفس أكدارها ومزعجاتها.
وإلى أن ألقاكم في رسالة قادمة أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في 30 / 6 / 1430


