-
إما العقل وإما العضلات
في زماننا هذا برزت معادلة جديدة في الحياة العامة, ومع أن أساس المعادلة موجود منذ زمان سحيق إلا أنها تتجسد في حياتنا اليوم على نحو لم يسبق له مثيل, المعادلة تقول:أنت مخير فإما أن تستخدم عقلك من خلال التفكير المدعوم بمعرفة جيدة, وإما أن تستخدم عضلات رجليك ويديك في أعمال مهنية شاقة. في الماضي كانت مساهمة المعرفة والذكاء في تحسين مستوى الحياة الخاصة محدوداً, وكان من المألوف جداً أن ترى عالماً كبيراً, لا يجد عشاء يومه, أما اليوم فالعلم والذكاء والتفكير المنهجي الصحيح والمهارات المصقولة, هي الطريق للظفر بوظيفة جيدة ومنصب كبير وموقع مؤثر... الفكرة الجوهرية التي أود أن تحملها هذه الرسالة إلى أخوتي وأخواتي تتلخص في الآتي:
روح العصر تقوم على الاختصار من الجهد البدني إلى الحد الأدنى والعمل على جعل الجهد العقلي في غاية الفعالية, ولهذا فإن الواحد منا كلما وجد نفسه في أعمال تقوم على استخدام العضلات دل ذلك على حاجته الماسة إلى المزيد من التعلم والمزيد من المهارات العقلية.
كان الناس في الماضي يفرحون بالأطفال والفتيان عندما يصبحون قادرين على كسب رزقهم ومساعدة آبائهم في مهنهم وأعمالهم, وقد تغير هذا اليوم, حيث صار من علامة تقدم الأمة طول فترة طفولة أبنائها وبقاؤهم مدة طويلة على مقاعد الدراسة, ولهذا فإني أعتقد أن إخراج فتى من الدراسة قبل أن ينهي المرحلة الابتدائية أو المتوسطة ( الإعدادية) يعادل قطع طرف من أطرافه في إلحاق الضرر به, بل يزيد.
يجب أن نرفع شعار ( التعلم مدى الحياة) فلا نكف أبداً عن القراءة وحضور الدورات التدريبية والحصول على الشهادات المختلفة....
لا تيأس أبداً إذا لم تجد من يُقَدّر ما لديك من علم وخبرة ، فهذا سيحصل ولو بعد حين, ولا يصح أن نتوقف عن اكتساب المزيد من العلم بسبب ذلك.
كتب في الأربعاء, 25 أغسطس 2010 03:50 في الرسالة الأسبوعية
5 التعليقات تم قراءة المقال 268 مرة
-
امتحان الثقافات
لا نعني هنا بالثقافة المعلومات والمعارف التي تكون في حوزة شخص من الأشخاص أو أمة من الأمم, وإنما نعني ذلك الكل المركَّب من العقائد والأفكار والمعارف والنظم والأخلاق والعادات والتقاليد السائدة في بيئة محددة. الثقافة بهذا المعنى تعني الذات المعنوية للأمة, وهي أداة استيعاب الوجود والنظر إلى الذات والآخر, وأداة مواجهة المشكلات والهيكل المعنوي الذي يتلقى الصدمات القادمة من الداخل والخارج... الثقافة بوصفها أداة للفهم والعمل وتنظيم ردود الأفعال و بوصفها أداة لمقاومة العدوان الثقافي الخارجي – تظل في امتحان دائم, وعليها دائماً أن تنجح فيه, وإلا أصيبت بالعطب, أو فقدت جزءاً من حيويتها, والأمثلة التي يمكن أن نشرح من خلالها هذه الحقيقة كثيرة للغاية, أكتفى منها هنا بثلاثة أمثلة: 1- إدارة الاختلاف: لدى كل الثقافات محرمات وخطوط حمراء لا يصح تجاوزها, ولديها أيضاً مساحات خضراء تسمح بالتنوع والاختلاف والحركة... إذن لا تظهر الثقافة في مدى ما فيها من اختلاف واتفاق وإنما في طريقة تعاملها مع الاختلاف, وهذه نقطة مفصلية في تباين الثقافات, فالثقافة الناضجة تتعامل مع الاختلافات بعقلانية ولغة مهذبة, وتعتمد الوعي والحوار والتربية أساساً للتخلص من الأقوال الشاذة والأفكار الفجة, أما الثقافة التي لم تبلغ درجة النضج المطلوب, فإنها تعتمد في حسم الخلاف على استخدام القوة وسنَّ المزيد من القوانين, كما أن لغة المختلفين تكون متشنجة وبعيدة عن الموضوعية. وأعتقد أن الذي يتأمل فما كتب من تعليقات على الفتاوى المتأخرة في الصحف وعلى (النت) لا يشك بأن ما نتحدث به خلال عقدين من الزمان عن أسباب الاختلاف وعن التعددية – ما يزال عبارة عن قشرة ثقافية هشة, لا تسمن ولاتغني من جوع! 2- التعامل مع المشكلات: ليس هناك مجتمع ليس فيه مشكلات, والثقافة هي التي تحدد حجم المشكلات السائدة, وعلى نحو عام تكون حساسية أصحاب الثقافات المتحضرة تجاه المشكلات أشد, حتى إن ما يعد شيئاً هيناً وطبيعياً في نظر أصحاب الثقافات المتخلفة، يُعد في نظر الفريق الأول شيئا خطيراً، ولا يمكن احتماله. حين يواجه أصحاب ثقافة ناضجة مشكلة كضعف الإلتزام او التضمامن الأهلي أو الاستبداد أو مشكلة مثل البطالة أو ندرة المياه.. فإن إدراكهم لحجم المشكلة يتم عن طريق التخمين والتأمل، وأما أدواتهم في المواجهة فإنها تقوم على الشكوى والحسرة والاحتيال والوعظ والخروج عن القانون.. أما أصحاب الثقافات المتقدمة فإن مساعيهم لتوصيف المشكلة تقوم على الإحصاء والاستقراء والمقارنة، وحين يريدون علاجها، فإنهم يعملون على تحديد أسباب المشكلة وتحليلها، كما يعملون على مراقبة تطوراتها، ثم يتعاملون معها عن طريق طرح الكثير من المبادرات الصغيرة لعلمهم أن المشكلات الحضارية ترتدي برداء التعقيد، وتحتاج إلى حلول مركََبة. وحين تكون الأمة في وضعية انتقالية، فإنها تحاول أن تقلد أصحاب الثقافة الناضجة، وتحقق في العادة نجاحات متواضعة. 3- استثمار الوقت: هذه الساعات التي تمر علينا هي عبارة عن امتحان كبير لنا، ومن الواضح أن أصحاب الثقافة المتخلفة ينظرون إلى الوقت على أنه عبء، وليس فرصة، ولهذا فإنهم يتفننون في قتله والتخلص منه، ويظهر هذا واضحاً في حال شغلهم وحال فراغهم، أما في حال شغلهم، فإن كفاءة استفادتهم من الوقت تكون متدنية،حيث قد أفادت إحدى الدراسات أن العطاء الحقيقي للموظف في إحدى الدول العربية لا يزيد على نصف ساعة في اليوم! أما في حالة فراغهم، فإنهم ينزعون إلى الثرثرة الفارغة والجلوس أمام التلفاز..! أما ابناء الثقافة المتقدمة، فإنهم ينظرون إلى الوقت على أنه عنصر من أهم عناصر الإنتاج والإنجاز، ولهذا فإنهم يتعاملون معه بدقة تصل إلى جزء من الثانية، ويتلقون الدورات التدريبية التي تساعدهم على تقليل الأوقات المهدورة. أما الفراغ فإنهم يستخدمونه في الاستجمام وممارسة الهوايات والقيام بالأعمال المهمة التي لم يستطيعوا إنجازها في أوقات الدوام الرسمي. ستظل كيفية تعامل الأمم مع الوقت مقياساً من أهم مقاييس الارتقاء الحضاري. فما تصنيفك لثقافتنا السائدة يا ترى؟ والله الموفق.. د. عبد الكريم بكار 20/7/1431
كتب في الجمعة, 20 أغسطس 2010 19:55 في البناء والنهضة
1 تعليق تم قراءة المقال 85 مرة
- خطأ
للقمة طريقان
|
الهمّ الذي يسيطر على كل العظماء هو تطوير الواقع نحو الأفضل ، ولكل عظيم أسبابُه ووسائله في المساعدة على ذلك ، لكن هناك طريقان عريضان طويلان ، هما : |
![]() |
|
|
بذل جهود إصلاحية وخيرية واضحة ومؤثرة تلفت نظر المؤرخ ، فيتوقف عندها ليسجلها ويشيد بها ، والثاني كتابة شيء ، يستحق القراءة لما فيه من فائدة وإبداع وتطوير... يتوقف التاريخ مرتين : يتوقف مرة ليسجل مواقف التمنع والتأبي على المساومة على الدين والعرض والكرامة، ويتوقف أخرى ليسجل الإيثار والفداء والعطاء غير المحدود، وأتمنى أن يبذل الباحثون الشباب جهوداً مقدرة في جمع مواقف الممانعة ومواقف السخاء والفداء لرجال ونساء معاصرين حتى يعرف الأطفال أن أمتنا أمة ولود ، ومملوءة بالعظماء الأتقياء الأخفياء ، ولعل تنشيط حركة المقابلات الشخصية للقادة والعلماء والأسخياء في بذل المال .. يجعلنا نطلع على صور حية وثرية للعظمة الذاتية . الطريق الثاني للقمة : هو أن نحاول أن نكتب شيئاً يستحق القراءة ، وهذا الطريق لا يقل في أهميته عن الطريق الأول ، لأن التصورات والأفكار والمفاهيم العظيمة هي التي تجعل فهمنا لأنفسنا وتاريخنا وواقعنا والعالم من حولنا ... شيئاً ممكناً وأتمنى في هذا الإطار أن تؤسس وزارات الثقافة ورشاً لتعليم الفتيان والشباب أصول الكتابة الإبداعية وتدريبهم على صياغة النصوص العظيمة وقد ذكر أحد الباحثين أن في فرنسا وحدها نحو من مئة ورشة تتيح للراغبين في المشاركة في الإنتاج الثقافي تعلُّمَ الدخول إلى عالم الكتَّاب والكتابة ، وليس لدينا في أي بلد عربي ـ فيما أعلم ـ أي شيء من هذا القبيل . في روح وعقل كل واحد منا شرارة صغيرة ربما تصبح من خلال النفخ فيها ناراً عظيمة تضيء عقول وقلوب الملايين ، فهل من مجرب ؟
وإلى أن ألقاكم في رسالة قادمة أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
|
||
|
|
محبكم د.عبد الكريم بكار |
|
|
|
في 8 / 1 / 1431 |
|
12 تعليقات
-
رابط التعليق
الأحد, 14 فبراير 2010 07:32
كتب بواسطة امية الله
شكر الله لكم طرحكم و اقتراحكم شيخنا الموقر. اننا في امس الحاجة الى دور التاطير و التطوير...فكم من الطاقات اهدرت و ضيعت بسب انعدام المجال المتاح لاسستقطابها. من اللازم و العاجل فتح مراكز لا اقول تهية و تكوين...و لكن مراكز لتعزيز القدرات و تطوير المواهب حفضا لها من الاندثار. فصاحب الموهبة..عندما لا يجد مجالا لترجمة موهبته و تنمية قدراته يتخذ موقفين 1)اما الاحباط و الياس..و بالتالي الاستسلام و عدم الاكتراث 2)و اما الثورة و النقمة على مجتمع اطفء شعلة العطاء و الاقدام المتاججة لديه. و كلى الموقفين له نتاج موحد..محق الطاقات و تثبيط العزائم(و هو ما يخالف حال الصحابة رضي الله عنهم..الذي كانوا يقدرون الكفاءات..). و النتائج في كل الاحوال عواقبها وخيمة على المجتمع. كفانا لعنا لظلام تيه الشباب و استهتارهم..و لنوقد لهم شعلة التاطير التي تنير لهم طريق البذل و العطاء و التطوير.
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
-
رابط التعليق
الاثنين, 01 فبراير 2010 13:08
كتب بواسطة أبو تهاني
دكتورنا الكريم للقمة طريقان : 1- إصلاح الأخطاء وحل المشكلات 2- التخطيط والبناء والأمران على التوالي ( فالتخلية قبل التحلية ).
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
-
رابط التعليق
الأحد, 03 يناير 2010 12:09
كتب بواسطة
عبدالعزيزعبدالله صلاح
الله يحقق رؤانا. ويثق كل شخص بأن له طريقة مميزة في النظر للأمور ويجب أن تكون هذه الرؤية مؤسسة على أساسات ومبادئ قويمة, وهذا مافهمته من مقال أستاذنا الدكتور حفظه الله دمت بخير
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
-
رابط التعليق
السبت, 02 يناير 2010 01:29
كتب بواسطة وفاءمأمون جرار
جزاك الله خيرا الشيخ د.عبد الكريم طرح متميز وبصراحه يلامس حاجة ماسة عند جيل الشباب .. دمت بخير
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
-
رابط التعليق
الجمعة, 01 يناير 2010 12:40
كتب بواسطة الحسين مصطفى
لماذا يقتصر الطريق الثانى على الكتابة فقط هناك اشاء كثيرة موازية للقراءة مثل الابتكار فى مجالات عديدة وهذا الابتكار هو السبب فى تطور الحياة وتغيرها من حال الى حال وهناك من العظماء من تغير على ايديهم اجيال واجيال ولكن من وجهة نظرى ان العظماء هوه من اتقن وابدع فى عمله وأبتكر فى مجاله اى ان كان هذا العمل
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
-
رابط التعليق
الاثنين, 28 ديسمبر 2009 19:05
كتب بواسطة
خالد المرسى
جزاكم الله خيرا
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
-
رابط التعليق
الاثنين, 28 ديسمبر 2009 16:31
كتب بواسطة
سنا محمد طوط
بارك الله فيك أستاذنا الفاضل. باسم النساء أتكلّم. هل للنساء أن يطمحن إلى بلوغ القمة؟ بل إلى التصعيد فيها في محاولة ليس إلا؟ كيف؟ في بيئات اجتماعية قرار المرأة فيها رهن لرضى الأب أو الزوج بالكامل؟ كيف وهي غالباً توضع بين قرارين : خراب بيتك أو طموحك الشخصي؟ . أستاذي الكريم. هناك مقولة تتردد: المرأة لأسرتها فقط. والرجل حيث يحبّ أن يكون . توجيهات رائعة . لكن أعتقد أنّ النساء غير معنيّات بها.
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
-
رابط التعليق
الأحد, 27 ديسمبر 2009 06:48
كتب بواسطة
عبدالرحمن
أشكر شيخنا على هذه اللفتة الجميلة نحو هذا الموضوع المهم
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
-
رابط التعليق
السبت, 26 ديسمبر 2009 15:40
كتب بواسطة
روان
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته جزك الله خيرا يا شيخنا الحبيب
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته
-
رابط التعليق
الجمعة, 25 ديسمبر 2009 14:01
كتب بواسطة Faisal Abdulatif
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: يسعدني كثيرا ان اكون من اول المعلقين على هذا النص الذي يثير كثير من الحماسة نحو ترسيخ المجد، والابداع واظهار افضل ما لدينا، بل ويوضح ويرسخ صورة بأن الانسان منجم زاخر بالثروات في شتى المجالات. تحياتي
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته



