man-311326_960_720

ثقافة التساؤل

 
المتأمل في مداولاتنا الفكرية في وسائل الإعلام ، وفي مجالس السمر ، وفي كل مكان يجد أن ما نردده اليوم من شكوى حول سوء أوضاعنا ، وما نطرحه من حلول هو عين ما ردده أسلافنا قبل أكثر من قرن من الآن . وإذا شئت أن تستوثق من ذلك ، فارجع إلى مداولات المؤتمر الإسلامي الوهمي الذي صوره لنا الكواكبي في كتابه ( أم القرى ) . ونحن إلى الآن غارقون في طرح المشروعات الحضارية التي نعتقد أنها ستخرج الأمة من مشكلاتها المتأسنة . وأملي أن نكف عن ذلك مؤقتاً ؛ فقد حصل لدى الناس تشبُّع من الحلول والمقترحات النهضوية ، وقد وصلوا إلى حافة اليأس والإحباط !
دعونا الآن نخطو في اتجاه طرح الأسئلة حول الحلول التي قدمت : لماذا نملك قدراً هائلاً من المشروعات والمقترحات والحلول لكل أدوائنا ، ونملك مع ذلك أضعف نتائج على الصعيد العملي ؟ !
قد يكون من المفيد أن نعقد لكل مشكلة كبرى جلسات لعصف الأفكار ، لا تُقدَّم فيها الحلول ، ولكن تثار فيها التساؤلات ، ونتداول فيها التعليلات بغية فهم أعمق لطبيعة المشكلات والأزمات التي تعاني منها الأمة . لا ريب أن طرح الأسئلة فن كبير ، وما يحتاجه من ثاقب النظر وواسع الخبرة لا يقل بحال عما يحتاجه تقديم الأجوبة والحلول . وليس من باب التشاؤم القول : إننا لا نملك الأدوات الفكرية والمعرفية التي تمكننا من طرح أسئلة عميقة ومعقدة . ونحن إذ ندعو إلى تكثيف طرح الأسئلة نأمل أن نرتقي في هذا المجال الحي ، ونمتلك عتاده المطلوب . إننا من وراء طرح مزيد من الأسئلة لا نطمع في قطع دابر الخلاف حول تحديد جوهر مشكلاتنا أو تحديد أكثرها خطورة ؛ فذاك أمر قد يكون عسير المنال في المدى المنظور ؛ لكن الذي نطمح إليه هو إيجاد أسس متينة للخلاف وبناء معقوليات وأطر تتحرك داخلها أقوال المتحاورين والمنظرين والمشخصين ؛ مما يضيق بدوره دائرة الخلاف ، ويقرب بين الأقوال المتباينة .
في جلسات عصف الأفكار يطرح كل واحد من المشاركين ما شاء من أسئلة وتعليلات دون أن ينقده أو يرد عليه أحد . ويقوم أحد المشاركين بتلخيص كل ما قيل وتوزيعه على الحاضرين ، وفي جلسة تالية يتم القيام بمناقشة حصيلة الجلسة السابقة وغربلة ما قيل فيها من أجل تحديد الأسئلة والتعليلات الأكثر محورية ، وتلك التي لاقت استحسان معظم المشاركين ، واستبعاد غير الجوهري . وإذا تم التحضير الجيد للموضوعات التي سيتم التساؤل حولها ؛ فإن ما يمكن أن نحصل عليه قد يكون أكبر بكثير مما نظن .

لماذا لا نتساءل ؟

طالما حدثت نفسي عن الأسباب التي تجعل شهيتنا للتساؤل ضعيفة ؛ مما أدى إلى تراكم المشكلات وضعف خبرتنا العامة في التحليل والوقوف على العلل الخفية التي دفعت بالأمة إلى الوضعية التي تعاني منها الآن ، وقد بدا لي أن ذلك يعود إلى عدد من الأسباب ، أذكر منها :
1 – سيطرة الموروثات والتقاليد الشعبية على مداخل التفكير لدى معظم الناس ؛ وتلك الموروثات تنظر إلى الإكثار من طرح الأسئلة على أنه دليل الجهل وقلة الخبرة . كما أن المبادرة إلى الإجابة على أي سؤال يُطرح تعطي انطباعاً معاكساً ؛ ولذا فإن من الملاحظ أنه حين يطرح سؤال يتعلق بالصحة مثلاً وفي المجلس طبيب فإن أكثر من شخص يجيب قبل أن يتمكن الطبيب من إبداء رأيه !
وهذه الوضعية ذاتها تشجع الناس أيضاً على أن يجيبوا أنفسهم على التساؤلات التي تثور في أذهانهم بعيداً عما في الكتب ، وعما لدى أهل العلم ، وهذا يؤدي بهم إلى أن يشعروا بنوع من الامتلاء الكاذب ، ويكونون بذلك كمن يتجشأ من غير شبع !
2 – طريقة التعليم السائدة في المدارس تكرس ما تشيعه الثقافة الشعبية ؛ حيث إن أسلوبنا في تلقين المعلومات يجعل المعلم يظهر في موقف الإنسان الذي يعرف كل شيء ، أو موقف الفارس الذي يجول ويصول في الحلبة وحيداً دون أن يحسب حساب أي شيء . وتتجلى المعلومات التي يسوقها في شكل معطيات قطعية ، تجاوزت مرحلة الجدل والنقاش . وبعض المعلمين يزيد الطين بلة ، فيمنع الطلاب من إلقاء أي سؤال ؛ لأن ذلك قد يشير إلى أنه لا يشرح بطريقة وافية ، أو لأنه قد يوقعه في الحرج مما يدفع الطلاب إلى الصمت المطبق !
3 – في المجتمعات الإسلامية جماهير غفيرة يعشقون الغرائب ويروجون لها لأسباب مختلفة منها إمتاع السامعين ، وإظهار العلم بما يجهله غيرهم ، والتسويق لشخص أو جماعة أو فكرة أو طريقة …. والارتزاق من وراء الإثارة التي تحدثها القصص والحكايات العجيبة ! من طبيعة الغرائب أنها لا تعرف الوقوف عند أي حد ؛ ولذا فإنها تتطور في كثير من الأحيان لتأخذ شكل الخرافة ، ولتبني من ثم عقولاًَ خرافية . من مخاطر الغرائب والخرافات أنها تمحو في أذهان الناس الفروق بين الطبيعي وغير الطبيعي ، والجائز والممنوع ، والقريب والبعيد ، والممكن والمستحيل … ومن خلال زوال الفروق بين هذه الثنائيات تتهيأ أذهان الناس لقبول أي شيء والاستسلام للوضعية الراهنة بوصفها شيئاً لا بديل عنه .
4 – اليأس والإحباط بسبب سوء الأحوال وتدهور مكانة الأمة بين الأمم الأخرى ؛ مما يؤدي إلى الإحجام عن التساؤل حيث يفقد المحبط الحيوية الذهنية ، كما يفقد روح الانفتاح والتفاعل التي كثيراً ما تتمظهر في التساؤل ، فتؤول الأمور إلى السكون التام وانتظار المصير المحتوم .
5 – جفول الوعي الإسلامي في وقت مبكر من تاريخ هذه الأمة من ( الفلسفة ) بسبب تجاوز بعض فلاسفة المسلمين للعديد من الأصول والثوابت الشرعية ، وقد أدى ذلك إلى ضعف صناعة المفاهيم لدينا ، وإصابتنا بقصور مريع في عدد كبير منها . وحين يتضاءل مفهوم ما عن المستوى الذي ينبغي أن يبلغه ، ينحط مستوى العمل ورد الفعل ؛ مما يجعل الانحدار نحو القاع أمراً مقبولاً أو غير مستنكر ، ومن ثم فلا يثار حوله أي تساؤل . إذا أردنا لشهية التساؤل لدينا أن تنفتح من جديد ، فلا بد من معالجة الأسباب التي أدت وما زالت تؤدي إلى اضمحلالها . والله الهادي إلى سواء السبيل .

بقلم: د. عبدالكريم بكار