أكبر نقطة قوة (2)

تحدثت في المقال السابق عن بعض حيثيات (الإرادة)، ووعدت أن أتحدث عن بعض الأمور والإجراءات التي تساعد على تقويتها، وأنا الآن أوفِّي بما وعدت به.

ولعلي أتحدث عن ذلك عبر المفردات الآتية:

1 – بين الفرد وبيئته نوع من التطابق والتخالف، ونوع من الشدِّ والجذب المستمرين، وهذا يعني أن الأفراد يتأثرون ببيئاتهم تأثراً سريعاً وشاملاً، لكنهم وعلى المدى البعيد هم الذين يصنعون تلك البيئات، وهم الذين يطوِّرونها، وإن كان ذلك لا يظهر دائماً على نحو واضح.

ونستفيد من هذا أن تصليب إرادة الشباب – والناس عامة – يحتاج إلى نوع من الإجماع الوطني والتحفيز الإعلامي؛ فمن عادة الإنسان أن يظل ذاهلاً عن كثير من الأشياء المهمة والجوهرية، بل أن يظل جاهلاً الكثير من الواجبات الشرعية والحضارية؛ ما لم يظفر بمحرِّض -إعلامي أو تعليمي أو تربوي – يدفع بتلك الأشياء والواجبات إلى مقدمة اهتماماته، ويضعها على سطح وعيه.

ومن هنا فإن على الإعلام مسؤولية كبرى في هذا الشأن، والمطلوب منه تحديداً هو إثارة اهتمام الناس، وتفتيح أذهانهم، وتحفيز هممهم، في اتجاه بعض الأمور الضرورية لنهضة الفرد والمجتمع، وذلك مثل: الاستقامة، والالتزام، والجدية، والتعاون، والمثابرة، والاهتمام، وحسن الاستماع، والتطوع، والعطاء المجاني…

إن الإعلام – بما يملك من سطوة وانتشار وتأثير – يستطيع فعلاً تقوية إرادة الناس نحو هذه المعاني، كما يستطيع إضعافها، ونأمل أن يدرك المسؤولون عنه هذه المسؤولية، وينهضوا إليها.

2 – نحن في حاجة ماسّة إلى معونة الله – تعالى – وتوفيقه؛ كي ننتصر على أنفسنا، وشهواتنا، وعاداتنا السيئة، وخير ما نستنـزل به تلك المعونة هو الدعاء ومجاهدة النفس، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت:69]. وقال تباركت أسماؤه: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا} [السجدة:24].

إن أي إصلاح أو تغيير أو ترقّي لا يمكن أن يتم من غير مجاهدة للنفس، وإن كثيراً من الإخفاق الذي نعانيه سببه أننا نريد التقدم والازدهار، لكننا غير مستعدين لمخالفة أهوائنا أو التخلي عن شيء من عاداتنا السلبية، أو بذل شيء من الجهد الإضافي، وينبغي لهذا الأمر أن يكون واضحاً كلَّ الوضوح.
3 – يتطلب تقوية الإرادة أن نلزم أنفسنا بتنفيذ أشياءَ صغيرةٍ لكن بشكل يومي وعلى نحو دائم ولا بد من الالتزام بذلك على نحو صارم .

ومن تلك الأمور والأشياء على سبيل المثال:

– قراءة نصف جزء من القرآن يومياً.

– قراءة في كتاب جيد مدة ساعة.

– الالتزام بصلاة الجماعة في المسجد إلا لضرورة.

– المسارعة إلى تنفيذ طلبات الوالدين، بهمة ونشاط وطيب نفس.

– الالتزام بالحضور إلى الوظيفة أو العمل والانصراف في الوقت المحدد.

– الاستيقاظ قبل الفجر مرة في الأسبوع على الأقل.

– الاتصال يومياً بذي رحم أو صديق؛ من أجل السؤال عنه والاطمئنان عليه.

– الصدقة بمبلغ من المال  ولو كان زهيداً .

– الحرص على المبادرة بالسلام على من نعرف ومن لا نعرف.

 

وإذا لم يستطع المرء أداء ما التزم به في يومه، فإنه يقوم به في وقت تال من ليل أو نهار، وكأنه يقضيه، وهذه طريقة سنَّها لنا رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – فقد ذكرت عائشة رضي الله عنها: ((أنَّ رسولَ اللهِ – صلى الله عليه وسلم – كانَ إذا فاتته الصلاةُ من الليلِ، مِن وَجَعٍ أو غيرِهِ – صلّى من النهارِ ثِنْتَي عشرةَ ركعةً)) [رواه مسلم].

وقال – عليه الصلاة والسلام – مرشداً إلى هذا المعنى: ((من نَامَ عن حِزْبِهِ من الليل، أو عن شَيْءٍ منه، فَقَرَأَهُ مَا بين صَلاةِ الْفَجْرِ وَصَلاةِ الظُّهْرِ؛ كُتِبَ له كَأَنَّمَا قَرَأَهُ من اللَّيْلِ)). [رواه مسلم].
4 – لابد لتقوية (الإرادة) من اتباع أسلوب التدرج في اكتساب العادات وتنفيذ المهمات، وأنا أشجع دائماً على أن يلتزم المرء بالقيام ببعض الأعمال الصغيرة والمحدودة، فإذا صارت جزءاً عادياً من حياته وأخلاقه وسلوكه؛ قام بزيادة شيء قليل عليها، فإذا كان فلان من الناس لا يقرأ – مثلاً – في اليوم أي شيء، ثم التزم بقراءة نصف ساعة، فإنه بعد ذلك الالتزام بستة أشهر، يزيد عليها ربع ساعة، وبعد ستة أشهر أخرى يزيد عليها ربع ساعة أخرى، وهكذا…
5 – يحتاج الواحد منا إلى أن يُثْبِتَ نفسَه أمام نفسه، وذلك بحرمانها من بعض الأشياء، وبعدم الاستجابة لبعض وسوساتها وخواطرها، فإذا حدثته نفسه بأن يترك العمل الذي بين يديه حتى يشرب كأساً من الشاي؛ فليرفض طلبها، أو ليقم بتأجيل تنفيذه ساعة. وإذا كان يجد نوعاً من المتعة في القراءة وهو مستلقٍ على السرير؛ فليحرمها من تلك المتعة، وليجلس خلف مكتب، وليمسك بقلم وهو يقرأ من أجل تلخيص بعض الأفكار… إن مخالفة النفس تُشعر صاحبها بالقوة، وتجعل منجزاته ومكتسباته أكبر، وهذا ما يجعله يشعر بفوائد المجاهدة.
6 – من الأمور المهمة على صعيد تقوية الإرادة: مصاحبة الأشخاص أصحاب الإرادات القوية والهمم العالية، فعدوى الأرواح مثل عدوى الأجسام، وليعمل الإنسان على الابتعاد عن (الفوضويين) والكسالى والمحبطين واليائسين، فإن هؤلاء يسممون أرواح من يصاحبهم، ويشدونه نحو الوراء. كل شيء من الخير والتقدم يمكن أن يحدث؛ إذا تحلينا بالاهتمام والمثابرة.
والله الموفق.